الخميس، 12 فبراير 2026

قصة قصيرة ..عِشْقٌ لَا يَنْتهِي... بقلم الأديب عادل عطيه سعده

كالنَّسْمَةِ الْوَافِدَةِ فِي صَبَاحٍ شَتَوِيٍّ، دَخَلَ الْحُبُّ إِلَى قَلْبِهِ، هَزَّ كِيَانَهُ، وَأَيْقَظَ فِيهِ مَا كَانَ خَامِدًا. تَذَكَّرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، يَوْمَ الْتَقَى بِهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي الْمَقْهَى الْقَدِيمِ الَّذِي يَطِلُّ عَلَى نَهْرِ النِّيلِ. كَانَتْ جَالِسَةً أَمَامَ النَّافِذَةِ، عَيْنَاهَا تَلْمَعَانِ كَأَنَّهُمَا قِطْعَتَانِ مِنْ السَّمَاءِ، وَشَعْرُهَا الْأَسْوَدُ يَنْسَابُ كَاللِّيلِ. اِبْتَسَمَتْ، فَكَأَنَّ الزَّمَنَ تَوَقَّفَ، وَالْعَالَمَ كُلَّهُ انْحَصَرَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
تَقَابَلَا عِدَّةَ مَرَّاتٍ، وَكَانَ كُلُّ لِقَاءٍ يَزِيدُهُ اقْتِرَابًا مِنْهَا. فِي لَيْلَةٍ مُمْطِرَةٍ، بَيْنَمَا كَانَا يَسِيرَانِ عَلَى ضِفَافِ النِّيلِ، تَوَقَّفَتْ وَأَمْسَكَتْ بِيَدِهِ. قَالَتْ بِصَوْتٍ خَافِتٍ: "أَحْيَانًا أَظُنُّ أَنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ التَّنَفُّسَ إِلَّا عِنْدَمَا أَكُونُ مَعَكَ". نَظَرَ إِلَيْهَا، وَشَعَرَ بِقَلْبِهِ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ، وَكَأَنَّهُ يَرَى نَفْسَهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ. أَجَابَ بِصَوْتٍ مَمْزُوجٍ بِالشَّوْقِ: "أَنَا أَيْضًا أَشْعُرُ بِنَفْسِ الشَّيْءِ، وَكَأَنَّنِي وَجَدْتُ نَفْسِي بَعْدَ طُولِ ضِيَاعٍ".
أَصْبَحَا يَقْضِيَانِ سَاعَاتٍ طَوِيلَةً يَتَحَدَّثَانِ عَنْ أَحْلَامِهِمَا، وَآَمَالِهِمَا، وَمَخَاوِفِهِمَا. كَانَ الْحُبُّ بَيْنَهُمَا كَالنَّهْرِ الَّذِي يَتَدَفَّقُ، يَحْمِلُ مَعَهُ كُلَّ مَا هُوَ جَمِيلٌ. لَكِنْ فِي يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ، وَجَدَهَا جَالِسَةً، وَعَلَى وَجْهِهَا عَلَامَاتُ الْحُزْنِ. سَأَلَهَا بِقَلَقٍ: "مَا الْأَمْرُ؟" قَالَتْ بِصَوْتٍ مُرْتَعِشٍ: "أَنَا سَأَرْحَلُ، لَدِيَّ فُرْصَةَ عَمَلٍ فِي الْخَارِجِ". قَالَ بِذُهُولٍ: "مَاذَا؟ مَتَى؟" شَعَرَ كَأَنَّ الْأَرْضَ انْشَقَّتْ تَحْتَ قَدَمِهِ.
قَالَتْ، وَعَيْنَاهَا تَمْلَؤُهُمَا الدُّمُوعُ: "غَدًا". لَمْ يَسْتَطِعْ التَّحَدُّثَ. كُلُّ مَا كَانَ يَفْكِرُ فِيهِ هُوَ أَنَّهُ سَيَفْقِدُهَا. قَالَ لَهَا بِصَوْتٍ شِبْهِ يَائِسٍ: "لَا تَذْهَبِي، لَا أَسْتَطِيعُ الْعَيْشَ بِدُونِكِ". قَالَتْ بِصَوْتٍ حَنُونٍ: "يَجِبُ أَنْ أَذْهَبَ، لَكِنَّنِي سَأَعُودُ، وَسَأَحْمِلُ مَعِي كُلَّ لَحْظَةٍ عِشْنَاهَا مَعًا".
وَدَّعَتْهُ وَتَرَكَتْهُ وَحِيدًا مَعَ ذِكْرَيَاتِهِمَا. لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَحِيدًا، لِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهَا سَتَرْجِعُ، وَسَيَكُونَانِ مَعًا مَرَّةً أُخْرَى. مَرَّتِ الْأَيَّامُ بِطِيئَةً، وَكَانَتْ كُلُّ لَحْظَةٍ فِرَاقٍ تُؤْلِمُهُ أَكْثَرَ. لَكِنَّهُ لَمْ يَفْقِدِ الْأَمَلَ.
ذَاتَ يَوْمٍ، بَيْنَمَا هُوَ يَقِفُ كَعَادَتِهِ عَلَى ضِفَافِ النِّيلِ، يَتَأَمَّلُ الْقَمَرَ، وَيَتَذَكَّرُ كُلَّ لَحْظَةٍ عَاشَهَا مَعَهَا، شَعَرَ بِقَلْبِهِ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ. فَجْأَةً، سَمِعَ صَوْتًا خَلْفَهُ، الْتَفَتَ، فَوَجَدَهَا وَاقِفَةً، تَبْتَسِمُ. قَالَتْ بِصَوْتٍ مَمْزُوجٍ بِالشَّوْقِ: "لَمْ أَسْتَطِعْ الْذَّهَابَ، لَمْ أَسْتَطِعْ تَرْكَكَ". عَانَقَهَا، وَشَعَرَ وَكَأَنَّ الْحُلْمَ الَّذِي كَانَ يَرَاهُ أَصْبَحَ حَقِيقَةً.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، تَوَقَّفَ الزَّمَنُ، وَاكْتَفَى الاثْنَانِ بِالْعَيْشِ فِي لَحْظَتِهِمَا. عَاشَا مَعًا فِي سَعَادَةٍ، وَلَمْ يُفَارِقْهُمَا الْحُبُّ أَبَدًا. كَانَتْ كُلُّ لَحْظَةٍ يَقْضِيَانِهَا مَعًا أَجْمَلَ مِنْ الَّتِي قَبْلَهَا، وَكَأَنَّ الْحُبَّ بَيْنَهُمَا لَا يَنْتَهِي. وَهَكَذَا، عَاشَا قِصَّةَ حُبٍّ لَا تَنْتَهِي، قِصَّةً أَثْبَتَتْ أَنَّ الْحُبَّ الْحَقِيقِيَّ لَا يَعْرِفُ الْمُسْتَحِيلَ.
_______________
بقلمى/ عادل عطيه سعده 
جمهورية مصر العربية

ليست هناك تعليقات:

مشاركة مميزة

قوافي همساتي (من أنت) للأديبة د. حنان أبو زيد

أنا الـمـعرفـة ومـتـاهة الـجهـل***أنا الـحـكمـة فـي جُـنْة الـعقـل أنا الـحياة مـن ضـياء اشـتعـل***أنا الـمـوتُ مـن ظـلام مُـفتعـل أنا الـلـ...